السيد محمد باقر الصدر

108

دروس في علم الأصول ، الحلقة الأولى ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 )

الثانية : أن يكون لِلَّفظ معانٍ متعدِّدةٌ متكافئة في علاقتها باللفظ بموجب النظام اللغوي العام ، من قبيل المشترك ، وفي هذه الحالة لا يمكن تعيين المراد من اللفظ على أساس تلك القاعدة ، إذ لا يوجد معنى أقرب إلى اللفظ من ناحيةٍ لغويةٍ لتطبَّق القاعدة عليه ، ويكون الدليل في هذه الحالة مجملًا . الثالثة : أن يكون لِلَّفظ معانٍ متعدِّدة في اللغة وأحدها أقرب إلى اللفظ لغوياً من سائر معانيه ، ومثاله : كلمة « البحر » التي لها معنىً حقيقيّ قريب وهو « البحر من الماء » ، ومعنىً مجازيّ بعيد وهو « البحر من العلم » ، فإذا قال الآمر : « إذهب إلى البحر في كلّ يومٍ » وأردنا أن نعرف ماذا أراد المتكلم بكلمة « البحر » من هذين المعنيين ، يجب علينا أن ندرس السياق الذي جاءت فيه كلمة « البحر » ونريد ب « السياق » كلّ ما يكتنف اللفظ الذي نريد فهمه من دوالّ أخرى ، سواء كانت لفظيةً كالكلمات التي تشكّل مع اللفظ الذي نريد فهمه كلاماً واحداً مترابطاً ، أو حاليّةً كالظروف والملابسات التي تحيط بالكلام وتكون ذات دلالةٍ في الموضوع . فإن لم نجد في سائر الكلمات التي وردت في السياق ما يدلّ على خلاف المعنى الظاهر من كلمة « البحر » كان لزاماً علينا أن نفسِّر كلمة « البحر » على أساس المعنى اللغوي الأقرب تطبيقاً للقاعدة العامة القائلة بحجّية الظهور . وقد نجد في سائر أجزاء الكلام ما لا يتّفق مع ظهور كلمة « البحر » ، ومثاله أن يقول الآمر : « إذهب إلى البحر في كلّ يوم واستمع إلى حديثه باهتمام » ، فإنّ الاستماع إلى حديث البحر لا يتّفق مع المعنى اللغويّ الأقرب إلى كلمة « البحر » ، وإنّما يناسب العالم الذي يشابه البحر لغزارة علمه ، وفي هذه الحالة نجد أنفسنا تتساءل : ماذا أراد المتكلِّم بكلمة « البحر » ؟ هل أراد بها البحر من العلم بدليل أنّه أمرنا بالاستماع إلى حديثه ، أو أراد بها البحر من الماء ولم يقصد بالحديث هنا المعنى الحقيقيّ ، بل أراد به الإصغاء إلى صوت أمواج البحر ؟ وهكذا نظلّ متردِّدين بين كلمة « البحر »